حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

2

شاهنامه ( الشاهنامه )

نوبة الرسالة إلى سيدنا محمد النبي العاقب ، المختص بأفضل المناقب ، الفارع هضبات المآثر ، الناشر رايات المفاخر ، سليل الذبيحين ونجل العواتك ، الذي استخرجه من أشرف العناصر وأكرم المحاتد ، وغذاه بلبان التنزيل ، وأيده بعصمة الوحي الجليل فنسخ جميع الشرائع بشريعته الطاهرة ، ورفع سائر الملل بملته الزاهرة . ولم تزل تباشير صبح جلالته طالعة ، وأشعة شمس رسالته لامعة ، حتى ملأت طِلاع البسيطة باهرة الأنوار ، وطبقت أكتاف العالم ساطعة الآثار . فصلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه مصابيح الدين ، ومفاتيح اليقين ، ودرارى أفلاك السيادة ، وجراثيم أشجار السعادة ، صلاة تكون أمدادها بآماد الأبد معقودة ، وظلالها على أرواحهم المطهرة ممدودة . ثم إنا نحمد اللّه الذي شيد مباني الشريعة ، ومهد قواعد الاسلام ، بمكان مولانا السلطان الملك المعظم شرف الدنيا والدين سلطان الاسلام والمسلمين ملك الملوك والسلاطين أبى الفتح عيسى بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب . حين ذلل له نواصي العباد ، وملكه سرة العالم وصفوة البلاد . وقضى لأوليائه بالعز الأقعس ، والطرف الأشوس . وحكم لأعدائه بالذل اللازم ، والمعطش الراغم . وأيد عزائمه بأمداد الفتح المبين ، وشيع ألويته بجنود النصر والتمكين . فهو بأمر اللّه قائم آناء الليل وأطراف النهار ، ملظ بالمرابطة والمجاهدة في ثغور الاسلام . متجرّد كالسيف الجرار في حز مفاصل الشرك ، متبلج كالصباح الباهر في رفع ظلام نحل الإفك . لم يسمع براية للكفر مرفوعة إلا بادرها بالتنكيس والتعفير في تراب الإتعاس والتحقير . ولم يحس بنار موقدة للظلم إلا أطال عليها باع الإطفاء ، وسلط عليها يد الإخماد . هذا مع ما خصصه اللّه به من الفضائل الباهرة ، والعلوم الزاهرة ، التي تبحر في فنونها وأنواعها ، وتملك أعنتها رافعا منارها كالنار على يفاعها . فهو ابن جلاها وطلاع ثناياها ، والمستبد من أقسامها بمرباعها وصفاياها . حتى صارت أيامه مواسم تجلب إليها بضائع العلوم والآداب من كل مرمى سحيق ، وتضرب إليها أكباد المطىّ من كل فج عميق . فلا زالت أنوار دولته ساطعة ، ومجاديح كرمه هامعة ، ووجوه مواليه بنضارة الإقبال موردة ، وخدود أعاديه بقتر الإدبار مربدة ، ما كان الخبر معقودا بنواصى الخيل ، وتعاقب شقراء النهار ودهماء الليل .